شاهد اليسار في دعاوى نفقة الزوجة والأطفال
دراسة قانونية شاملة في ضوء قانون الأحوال الشخصية المصري وأحكام محكمة النقض
– تعد دعاوى النفقة من أكثر دعاوى الأحوال الشخصية ارتباطًا بواقع الأسرة، ويثور فيها كثيرًا إشكال إثبات دخل الزوج، خاصة إذا كان من أصحاب الأعمال الحرة أو لا يتقاضى راتبًا ثابتًا يمكن الاستدلال عليه بمفردات مرتب أو بيان دخل رسمي.
وفي هذه الحالة يظهر الدور العملي لما يُعرف بين رجال القضاء والمحامين بـ “شاهد اليسار”، وهو أحد أهم وسائل الإثبات التي تستعين بها المحكمة لتكوين عقيدتها بشأن حقيقة يسار الزوج وقدرته المالية.
أولًا: ما المقصود بشاهد اليسار؟
شاهد اليسار هو الشخص الذي تتوافر لديه معلومات مباشرة عن الحالة المالية للزوج، وطبيعة عمله، ومصدر دخله، ومستوى معيشته، بحيث يستطيع الإدلاء بشهادة تساعد المحكمة في تقدير يساره المالي عند الفصل في دعاوى النفقة.
ولا يوجد في القانون المصري نص يُعرِّف شاهد اليسار بهذا الاسم، وإنما استقر العمل أمام محاكم الأسرة على إطلاق هذا المصطلح على الشاهد الذي يُستعان به لإثبات القدرة المالية للمنفق.
ثانيًا: متى نلجأ إلى شاهد اليسار؟
تظهر الحاجة إلى شاهد اليسار في الحالات التي يصعب فيها إثبات دخل الزوج بالمستندات الرسمية، ومن أهمها : –
- إذا كان الزوج يعمل عملًا حرًا.
- إذا كان تاجرًا.
- إذا كان طبيبًا أو مهندسًا أو محاميًا أو صاحب مكتب خاص.
- إذا كان يمتلك مشروعًا تجاريًا.
- إذا كان مقاولًا.
- إذا كان يعمل لحسابه الخاص.
- إذا كان يحصل على دخل نقدي غير مثبت رسميًا.
- إذا أخفى حقيقة دخله أو امتنع عن تقديم مستندات دخله.
وفي مثل هذه الحالات قد تطلب الزوجة من المحكمة إحالة الدعوى إلى التحقيق لسماع شاهد اليسار.
ثالثًا: ما الهدف من شهادة اليسار؟
الغرض من شهادة اليسار ليس تحديد مبلغ النفقة بصورة مباشرة، وإنما تمكين المحكمة من الوقوف على : –
- طبيعة عمل الزوج.
- مصدر دخله.
- مستوى دخله التقريبي.
- مستوى المعيشة الذي يعيش فيه.
- ممتلكاته الظاهرة.
- مظاهر الثراء أو اليسر.
- حجم نشاطه التجاري أو المهني.
وبناءً على ذلك تُكوِّن المحكمة عقيدتها بشأن مقدار النفقة المناسب.
رابعًا: ما الأسئلة التي توجهها المحكمة لشاهد اليسار؟
عادةً تستوضح المحكمة من الشاهد أمورًا مثل : –
- ما طبيعة عمل الزوج؟
- منذ متى يعرفه؟
- هل تربطه به علاقة عمل أو جوار أو تعامل؟
- أين يعمل؟
- هل يمتلك مشروعًا؟
- ما متوسط دخله الشهري؟
- هل يمتلك سيارات أو عقارات أو شركات؟
- ما مستوى معيشته؟
- هل يسافر باستمرار؟
- هل لديه مصادر دخل أخرى؟
ويجب أن تكون إجابات الشاهد نابعة من علمه الشخصي المباشر، لا من السماع أو التخمين.
خامسًا: من يصلح لأن يكون شاهد يسار؟
يشترط في شاهد اليسار أن يكون : –
- بالغًا كامل الأهلية.
- متمتعًا بالإدراك والتمييز.
- لديه علم شخصي مباشر بعمل الزوج ودخله.
- قادرًا على بيان مصدر معرفته أمام المحكمة.
- يؤدي اليمين القانونية قبل الإدلاء بشهادته.
ومن أمثلة من قد يصلحون للشهادة بحسب ظروف كل دعوى : –
- جار الزوج.
- زميل العمل.
- شريك النشاط التجاري.
- أحد العملاء الدائمين.
- أحد الأقارب المطلعين على طبيعة نشاطه.
- صديق مقرب يعلم حقيقة عمله.
سادسًا: هل يجوز أن يكون الشاهد قريبًا للزوجة؟
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن شهادة الأخ أو الأب أو غيرهما من الأقارب ممنوعة مطلقًا.
والصحيح قانونًا أن القرابة وحدها لا تمنع الشهادة في المواد المدنية والأحوال الشخصية، وإنما تخضع شهادة القريب لتقدير المحكمة من حيث قوتها ومدى اطمئنانها إليها. لذلك قد تسمع المحكمة شهادة الأخ أو الأب أو غيرهما إذا رأت أن شهادتهم تستند إلى علم مباشر، كما قد ترجح شهادة شاهد آخر أكثر حيادًا بحسب ظروف الدعوى.
ولهذا يفضل عمليًا اختيار شاهد لديه معرفة مباشرة بدخل الزوج ويبدو أكثر حيادًا أمام المحكمة كلما كان ذلك ممكنًا.
سابعًا: هل يشترط وجود أكثر من شاهد؟
لا يشترط القانون عددًا معينًا من الشهود.
فللمحكمة أن تأخذ بشهادة شاهد واحد إذا اطمأنت إليها، كما يجوز لها سماع أكثر من شاهد إذا رأت ضرورة لذلك.
والعبرة ليست بعدد الشهود، وإنما بقوة الشهادة واطمئنان المحكمة إليها.
ثامنًا: هل تلتزم المحكمة بأقوال شاهد اليسار؟
الإجابة: لا
فشهادة الشهود تعد من عناصر الإثبات التي تخضع للسلطة التقديرية لمحكمة الموضوع.
ولذلك يجوز للمحكمة : –
- الأخذ بالشهادة كاملة.
- الأخذ ببعضها.
- طرحها إذا رأت أنها غير مطمئنة.
- الموازنة بينها وبين باقي أدلة الدعوى.
تاسعًا: هل يغني شاهد اليسار عن التحريات؟
في الواقع العملي قد تكون شهادة اليسار أكثر تأثيرًا من التحريات إذا كانت قائمة على علم مباشر.
فالتحريات تعد قرينة تستأنس بها المحكمة، وليست دليلًا قاطعًا، بينما قد تكون شهادة الشاهد أكثر تفصيلًا وارتباطًا بوقائع الدعوى.
ومع ذلك، لا توجد قاعدة قانونية تقضي بأن شهادة اليسار تغني دائمًا عن التحريات؛ إذ قد تجمع المحكمة بين الوسيلتين أو تعتمد على إحداهما وفقًا لظروف الدعوى.
عاشرًا: كيف تثبت الزوجة دخل الزوج صاحب العمل الحر؟
إذا كان الزوج لا يتقاضى مرتبًا ثابتًا، فيمكن للزوجة إثبات يساره المالي من خلال مجموعة من وسائل الإثبات، منها : –
- شهادة اليسار.
- التحريات الإدارية أو الشرطية إذا أمرت بها المحكمة.
- المستندات التجارية.
- السجل التجاري والبطاقة الضريبية إن وجدت.
- عقود الملكية.
- كشف الممتلكات.
- الحسابات البنكية متى توافرت وفقًا للقانون.
- الصور والمراسلات والقرائن التي تدل على مستوى المعيشة.
- أي دليل آخر تقبله المحكمة.
ولا يشترط الاعتماد على وسيلة واحدة، بل يجوز الجمع بين عدة وسائل لإثبات حقيقة دخل الزوج.
الحادي عشر: مدى حجية شهادة اليسار
تخضع شهادة اليسار للمبدأ العام في الإثبات، وهو أن تقدير أقوال الشهود من إطلاقات محكمة الموضوع، فلها أن تأخذ بها متى اطمأنت إليها، أو تطرحها إذا شابها التناقض أو المبالغة أو افتقدت إلى مصدر علم مباشر.
ومن ثم فإن نجاح شهادة اليسار يتوقف على : –
- وضوح الشهادة.
- اتفاقها مع باقي الأدلة.
- معرفة الشاهد الشخصية بالوقائع.
- خلوها من المبالغة أو التناقض.
خاتمة
يُعد شاهد اليسار من أهم وسائل الإثبات العملية في دعاوى نفقة الزوجة والأطفال، لا سيما عندما يكون الزوج من أصحاب الأعمال الحرة أو ممن يصعب الوقوف على حقيقة دخلهم من خلال المستندات الرسمية.
غير أن شهادة اليسار ليست دليلًا ملزمًا للمحكمة، وإنما عنصر من عناصر الإثبات يخضع لتقديرها، ويُفضل دعمها بقرائن ومستندات كلما أمكن ذلك، حتى تتكون لدى المحكمة عقيدة سليمة بشأن حقيقة يسار الزوج وقدرته على الإنفاق، وصولًا إلى تقدير نفقة تحقق التوازن بين احتياجات المستحقين وإمكانات الملزم بها وفقًا لأحكام القانون.
Lawyer Egypt Firm
مكتب المستشار القانونى / أحمد سيد حسن
” المحامى بالنقض والدستورية والإدارية العليا “
(whats app ) واتس أب : 201220615243+
للتواصل : 201103004317+