هل أحكام محكمة النقض ملزمة للمحاكم الأدنى ؟

هل أحكام محكمة النقض ملزمة للمحاكم الأدنى ؟

هل أحكام محكمة النقض المصرية ملزمة للمحاكم الأدنى أم استرشادية؟ تعرف على القوة القانونية لأحكام النقض، وتأثير المادة 269 مرافعات والمادة 44 طعن بالنقض

 

من الأسئلة التي تتكرر في العمل القانوني: هل تلتزم المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف بما تقرره محكمة النقض في أحكامها، أم أن أحكام النقض لا تعدو أن تكون مبادئ قضائية يستعين بها المحامي في تدعيم دفاعه؟

والحقيقة أن الإجابة عن هذا السؤال تحتاج إلى شيء من التفصيل؛ لأن القول بأن أحكام محكمة النقض ملزمة في جميع الأحوال ليس دقيقًا، كما أن اعتبارها مجرد أحكام استرشادية لا تترتب عليها أي آثار ملزمة قول غير صحيح أيضًا.

فالأمر يتوقف على طبيعة الحكم، والمسألة القانونية التي فصل فيها، وما إذا كان الحكم قد صدر في نزاع آخر أم في الدعوى ذاتها بعد نقض الحكم وإحالتها إلى المحكمة المختصة.

أولًا: هل تلتزم المحاكم باتباع كل ما يصدر عن محكمة النقض؟

الأصل أن الحكم الصادر من محكمة النقض في طعن معين لا يجعل المبدأ الذي قرره ملزمًا لجميع المحاكم في كل دعوى أخرى لمجرد صدوره.

بمعنى أن وجود حكم سابق لمحكمة النقض انتهى إلى تفسير معين لنص قانوني لا يعني، بمجرده، أن المحكمة التي تنظر نزاعًا آخر تكون ملزمة قانونًا بأن تقضي بالنتيجة نفسها، دون النظر إلى ظروف الدعوى المعروضة عليها.

لكن هذا لا يقلل من قيمة أحكام محكمة النقض؛ فهي تمثل أهمية كبيرة في تفسير النصوص القانونية وتحديد المقصود منها، كما أن استقرار قضائها على مبدأ معين يمنح هذا المبدأ وزنًا قضائيًا كبيرًا عند الاستناد إليه أمام المحاكم.

ولهذا نجد المحامين يحرصون على الاستشهاد بأحكام النقض في مذكرات الدفاع، ليس لمجرد ذكر أن محكمة النقض سبق أن قالت بهذا الرأي، وإنما لبيان أن التفسير القانوني الذي يتمسكون به له سند من القضاء.

والأهم هنا أن يكون الحكم المستشهد به متعلقًا بالمسألة القانونية محل النزاع فعلًا، لا أن يقتصر التشابه بين القضيتين على بعض الوقائع أو العبارات العامة.

ثانيًا: متى يصبح اتباع حكم محكمة النقض واجبًا؟

هنا تظهر أهمية التفرقة بين حكم النقض الصادر في قضية أخرى، وحكم النقض الصادر في الدعوى ذاتها التي أعيدت إلى المحكمة للفصل فيها من جديد.

فإذا نقضت محكمة النقض حكمًا وأحالت القضية إلى المحكمة المختصة لنظرها مرة أخرى، فإن الأمر يختلف؛ لأن المشرع لم يترك للمحكمة المحال إليها النزاع حرية مخالفة المسألة القانونية التي حسمها حكم النقض.

نصت المادة 2 / 269 من قانون المرافعات المدنية والتجارية رقم 13 لسنة 1968 على أنة : – (( ………………………………………………………………………………… 

فإذا كان الحكم قد نقض لغير ذلك من الأسباب تحيل القضية إلى المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه لتحكم فيها من جديد بناء على طلب الخصوم، وفي هذه الحالة يتحتم على المحكمة التي أحيلت إليها القضية أن تتبع حكم محكمة النقض في المسألة القانونية التي فصلت فيها المحكمة.)) .

وقد نصت المادة 269/2 من قانون المرافعات المدنية والتجارية رقم 13 لسنة 1968 على وجوب اتباع المحكمة التي أحيلت إليها القضية لحكم محكمة النقض في المسألة القانونية التي فصلت فيها.

ومؤدى هذا النص أن محكمة الإحالة لا يجوز لها أن تعود إلى تبني الرأي القانوني الذي سبق أن حسمت محكمة النقض مخالفته في المسألة محل النقض.

فإذا قررت محكمة النقض، مثلًا، أن المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه قد أخطأت في تطبيق قاعدة قانونية معينة، ثم أعيدت الدعوى إليها، وجب عليها مراعاة ما حسمه حكم النقض في هذه المسألة عند الفصل في القضية من جديد.

ومع ذلك، فإن التزام محكمة الإحالة لا يعني أنها تفقد سلطتها في نظر الدعوى أو تقدير أدلتها. فقد يكون من حقها إعادة بحث الوقائع أو استكمال ما يلزم من إجراءات، بحسب طبيعة الحكم وأسباب النقض، بشرط ألا تخالف المسألة القانونية التي فصلت فيها محكمة النقض.

إذن، الإلزام هنا ليس مستمدًا من مجرد مكانة محكمة النقض، وإنما من النص القانوني الذي أوجب على محكمة الإحالة اتباع حكمها في الحدود المقررة قانونًا.

ثالثًا: ماذا عن أحكام محكمة النقض في المواد الجنائية؟

في المواد الجنائية، توجد أحكام خاصة يجب مراعاتها عند الحديث عن مدى التزام محكمة الإعادة بقضاء محكمة النقض.

وقد نظم قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض رقم 57 لسنة 1959، المعدل بالقانون رقم 11 لسنة 2017، بعض الحالات التي تنقض فيها محكمة النقض الحكم وتعيد القضية إلى المحكمة المختصة للفصل فيها من جديد.

وتنص المادة 44 من القانون المذكور، في الجزء المتعلق بهذه المسألة، على أنه : –

« ……………………………………………

ولا يجوز لمحكمة الإعادة أن تحكم بعكس ما قضت به محكمة النقض.

كما لا يجوز لها في جميع الأحوال، أن تحكم بعكس ما قررته الهيئة العامة للمواد الجنائية بمحكمة النقض ».

ويجب فهم هذا النص في سياقه الإجرائي، لا باعتباره قاعدة عامة مؤداها أن كل حكم جنائي صادر عن محكمة النقض يلزم جميع المحاكم في جميع القضايا.

فالمادة تنظم حالة محددة تتعلق بنقض الحكم وإعادة الدعوى، وتقرر التزام محكمة الإعادة بما قضت به محكمة النقض في نطاق تلك الحالة، كما تقرر عدم جواز مخالفة ما انتهت إليه الهيئة العامة للمواد الجنائية.

ومن ثم، فإن تحديد مدى الإلزام في المسائل الجنائية يتطلب الرجوع إلى النص المنطبق وطبيعة الحكم والإجراءات التي اتخذت في الدعوى.

رابعًا: ما مدى إلزام المبادئ التي تقررها الهيئة العامة لمحكمة النقض؟

تختلف أهمية أحكام الهيئة العامة لمحكمة النقض من حيث الدور الذي تؤديه في توحيد المبادئ القانونية ومعالجة الاختلاف في الاتجاهات القضائية.

وقد نظمت المادة الرابعة من قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 تشكيل الهيئتين المختصتين بمحكمة النقض، إحداهما للمواد الجنائية والأخرى للمواد المدنية والتجارية ومواد الأحوال الشخصية وغيرها.

كما وضعت المادة آلية للتعامل مع الحالات التي ترى فيها إحدى الدوائر العدول عن مبدأ قانوني سبق أن قررته أحكام سابقة، بما يسهم في توحيد التفسير القضائي ومنع تضارب المبادئ.

وتبرز أهمية هذا التنظيم في أن اختلاف الدوائر حول مسألة قانونية واحدة قد يؤدي إلى اضطراب تطبيق القانون، وهو ما يستدعي وجود آلية قضائية لمعالجة هذا الاختلاف.

كما أن المادة 44 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض تقرر صراحةً عدم جواز مخالفة محكمة الإعادة لما قررته الهيئة العامة للمواد الجنائية.

ومع ذلك، ينبغي عند الاستناد إلى مبدأ صادر عن الهيئة العامة تحديد مضمونه ونطاقه، والتحقق من مدى انطباقه على النزاع، بدلًا من افتراض أن كل ما ورد في أي حكم صادر عنها يحسم تلقائيًا جميع المسائل القانونية المشابهة.

خامسًا: هل يجوز للمحكمة أن تصدر حكمًا يخالف حكم نقض سابقًا؟

الإجابة تتوقف على الحالة المعروضة.

إذا كان حكم النقض قد صدر في قضية أخرى، فإن مجرد اختلاف المحكمة معه لا يكفي وحده للقول بأنها خالفت التزامًا قانونيًا واجب الاتباع في الدعوى الجديدة. وإنما يجب النظر إلى طبيعة المبدأ المستشهد به، ومدى انطباقه على النزاع، والنصوص القانونية المنظمة للمسألة.

أما إذا كانت القضية ذاتها قد أعيدت إلى المحكمة بعد نقض الحكم، فإن المحكمة تكون ملزمة باتباع ما حسمته محكمة النقض في المسألة القانونية، وفقًا للنصوص المنطبقة على الحالة.

وقد تختلف نتيجة قضيتين رغم تشابه بعض الوقائع بينهما، إذا كان هناك اختلاف مؤثر في المستندات أو الطلبات أو النص القانوني الواجب التطبيق. لذلك لا يصح الحكم على مدى مخالفة حكم قضائي لمبدأ سابق بمجرد مقارنة منطوق الحكمين دون قراءة أسبابهما والوقوف على المسألة القانونية التي عالجها كل منهما.

سادسًا: كيف يستفيد المحامي من أحكام محكمة النقض في دفاعه؟

الاستناد إلى أحكام محكمة النقض ليس مجرد إضافة أرقام طعون أو نقل فقرات من أحكام سابقة إلى مذكرة الدفاع.

فالحكم القضائي تكون له قيمة حقيقية في المرافعة عندما يحدد المحامي المبدأ الذي قررته محكمة النقض، ويوضح وجه انطباقه على النزاع المعروض، ويربطه بالنص القانوني محل التفسير.

ولهذا ينبغي عند الاستشهاد بحكم نقض التحقق من رقم الطعن وسنته وتاريخ الجلسة، وقراءة الحكم في سياقه الكامل، والتأكد من عدم وجود أحكام لاحقة عدلت عن المبدأ أو أوضحت نطاقه.

كما يجب التمييز بين الاستناد إلى حكم سابق لتأييد تفسير قانوني معين، والاستناد إلى حكم يلتزم القاضي باتباعه بحكم القانون في الحالة المعروضة.

وهذا التمييز ليس مسألة شكلية؛ بل قد يكون له أثر مباشر في طريقة بناء الدفاع وتحديد الأساس القانوني للطلبات.

الخلاصة

أحكام محكمة النقض ليست جميعها ملزمة لجميع المحاكم في كل القضايا، كما أنها ليست مجرد أحكام يُستأنس بها دون أي اعتبار قانوني.

فالحكم الصادر في قضية أخرى قد يكون سندًا قضائيًا مهمًا لتفسير القانون وتأييد وجهة النظر القانونية، لكن مجرد صدوره لا ينشئ، بذاته، التزامًا عامًا باتباع النتيجة التي انتهى إليها في كل نزاع مشابه.

أما إذا نقضت محكمة النقض الحكم وأحالت القضية إلى المحكمة المختصة، فإن المشرع أوجب اتباع حكمها في المسألة القانونية التي فصلت فيها، وفقًا للمادة 269/2 من قانون المرافعات المدنية والتجارية، مع مراعاة الأحكام الخاصة التي نظمها قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض في المواد الجنائية.

والعبرة في النهاية ليست بمجرد صدور الحكم عن محكمة النقض، وإنما بطبيعة الحكم، والمسألة التي فصل فيها، والنص القانوني الذي يحدد مدى الالتزام به.

المراجع القانونية

  • المادة 269 من قانون المرافعات المدنية والتجارية رقم 13 لسنة 1968.
  • المادة 44 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض رقم 57 لسنة 1959، مع مراعاة تعديلاته.
  • المادة 4 من قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972.

 


مكتب محامى مصر للمحاماة والاستشارات القانونية 

Lawyer Egypt Firm

مكتب المستشار القانونى / أحمد سيد حسن 

” المحامى بالنقض والدستورية والإدارية العليا “

محامى عقارات فى مصر

(whats app ) واتس أب :          201220615243+

للتواصل  :              201103004317+

آخر المقالات

قانون رقم ۷٦ لسنة ۲۰۲٦ بإصدار قانون تنظيم نشاط منشآت الأمن والأمان البيولوجي من المستويين الثالث والرابع

قانون رقم ۷٦ لسنة ۲۰۲٦ بإصدار قانون تنظيم نشاط منشآت الأمن والأمان البيولوجي من المستويين الثالث والرابع المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ⁦۲۰۲٦/۰۷/۰۷⁩ قانون رقم ٧٦

معرفة المزيد »

قانون رقم ۱٤۸ لسنة ۲۰۲٦ بتعديل بعض أحكام القانون رقم ١٤٧ لسنة ١٩٨٤ بفرض رسم تنمية الموارد المالية للدولة

قانون رقم ۱٤۸ لسنة ۲۰۲٦ بتعديل بعض أحكام القانون رقم ١٤٧ لسنة ١٩٨٤ بفرض رسم تنمية الموارد المالية للدولة المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ⁦۲۰۲٦/۰۷/۲۸⁩ قانون

معرفة المزيد »