You cannot copy content of this page

الإحتجاج بصورية العقود المسجلة

 الاحتجاج بصورية العقود المسجلة

 

 

هل يجوز الاحتجاج بصورية العقود المسجلة وبأي نوع من الصورية يجوز ذلك ... ؟

۱ - تمهيد : -

باع زيد إلى بكر عقارًا بعقد لم يسجله المشتري ثم باع زيد أيضًا إلى ابنه خالد نفس العقار بعقد بادر خالد إلى تسجيله قبل أن يسجل المشتري الأول عقده.
هذا هو الغرض الذي يدور حوله هذا البحث والمطلوب الآن معرفة ما إذا كان يسوغ لبكر أن يطعن بالصورية في العقد الثاني الصادر من زيد إلى ولده بالرغم من تسجيل هذا العقد وبالرغم من افتراض نقل الملكية إليه بمجرد التسجيل.
إن نص المادة الأولى من قانون التسجيل رقم (۱ سنة ۱۹۲۳ كما قالت محكمة النقض (الدائرة المدنية) في حكمها الصادر في ۱۲ ديسمبر سنة ۱۹۳۵ في الطعن رقم (۳۵) سنة ۵ قضائية وفي الحكم الصادر في ۲۱ مايو سنة ۱۹۳٦ في قضية الطعن رقم (۱۰) سنة ٦ قضائية قد قضى نهائيًا كل احتجاج على صاحب العقد المسجل بسوء نية المتصرف أو بالتواطؤ لذلك لا يجوز التحدي بعبارة سوء النية أو حسنها أو العلم أو عدم العلم المشار إليهما بالمادة (۲۷۰) وغيرها من مواد القانون المدني.
وتطبيقًا لهذه القاعدة لا يجوز لبكر أن يطلب إبطال العقد المسجل الصادر من البائع إلى ابنه خالد بحجة أنه تواطأ مع ولده على البيع إليه مرة ثانية أو أن المشتري كان عالمًا بأن البيع الصادر إليه يضر بالمشتري الأول.
ولكن مناط هذا كله أن يكون البيع الذي يشوبه التواطؤ بيعًا جديًا بمعنى أن إرادة العاقدين قد توحدت في أن يكون التصرف حقيقيًا أي أنهما قصدا البيع ظاهرًا وباطنًا وأن البائع أراد حقًا التنازل عن ماله إلى المشتري مقابل قيام المشتري بدفع الثمن المتفق عليه.
أما إذا تبين أن البيع صوري وأن العاقدين لم يقصدا ما يدل عليه ظاهر العقد بل أن نيتهما كانت منصرفة إلى ذر الرماد في عيون الغير وإلى الإيهام بوقوع التصرف مع مخالفة هذا للواقع والحال أن الثمن لم يدفعه المشتري وأن البائع لم يقصد التنازل حقيقة عن ملكه إليه.
إذا ثبت هذا فإن الطعن في العقد المسجل يتخذ شكلاً آخر غير الدفع بالتواطؤ أو سوء النية وسترى فيما يأتي هل يجوز الطعن بالصورية وبأي نوع منها.

 

۲ - رأي محكمة استئناف مصر في هذا الموضوع : -

قد طرح هذا الموضوع بالذات أولاً على محكمة المنيا الابتدائية في القضية رقم (۳٤۰) سنة ۱۹۳٦ فأصدرت حكمها في ۲۲ إبريل سنة ۱۹۳۷ وهو يقضي بعدم جواز الدفع بالصورية لأنها ضرب من ضروب التواطؤ وجاء في أسباب ذلك ما يأتي:
وحيث إن التسجيل نفسه هو الناقل للملكية وسوء النية والتواطؤ الذي يقع بين البائع والمشتري الثاني الذي سجل عقده لا يمنعان من أفضلية عقد المشتري الثاني المسجل على عقد المشتري الأول الذي لم يسجل.
فاستؤنف هذا الحكم أمام محكمة استئناف مصر فأصدرت حكمها في تاريخ ۲۷ ديسمبر سنة ۱۹۳۷ في القضية رقم (۷۱۲) سنة ۵٤ قضائية بتأييد الحكم الابتدائي وجاء في حيثيات الحكم ما يأتي:
(وحيث إن المشتري (الذي لم يسجل) ليس له في الفترة التي تمضي من تاريخ العقد إلى وقت التسجيل سوى مجرد أمل مستقبلاً في امتلاك ما بيع وهذا الأمل ليس حقًا يصح له أن يحتج به على الغير فلا يترتب عليه إذن أحقية في إبطال عقد المشتري الثاني الذي سجله طبقًا للقانون بدعوى أنه صوري إذ لا ملكية له قد سلبها التواطؤ الحاصل بين بائعه وهذا المشتري الثاني لحرمانه من الصفقة وأنه في هذه الحالة ليس لعقده الغير مسجل من أثر سوى الالتزامات الشخصية بينه وبين المتعاقد معه.
وقد طعن بالنقض في هذا الحكم في القضية رقم (۳ سنة ۸ قضائية فقد منا مذكرة إلى محكمة النقض ضمناها رأيًا يخالف رأي محكمة الاستئناف وتناولنا البحث فيها في النقط الآتية:
أولاً: أنواع الصورية وآثارها.
ثانيًا: العقد المسجل وبأي نوع من الصورية يطعن فيه.
ثالثًا: هل الصورية ضرب من التواطؤ بحيث لا يجوز الطعن فيها في العقد المسجل.

 

۳ - أنواع الصورية وآثارها القانونية : -

إن الصورية في العقد على نوعين أولهما الصورية المطلقة والثاني الصورية النسبية .
والثاني الصورية النسبية .
فالصورية المطلقة هي التي تشمل العقد بأكمله أي أن الطرفين المتعاقدين قصدا تحرير عقد خيالي معدوم الأثر كلية وقد عرفها ديموج في كتابه الالتزامات جزء أول ص (۲۵۹) بند (۱۵۹) كما يأتي:

ومناط استظهار هذا النوع من الصورية ينحصر في استجلاء نية العاقدين من الوقائع وملابسات الدعوى وقرائن الأحوال.
ومتى ثبت أن الصورية المطلقة تغشى العقد يعتبر معدوم الأثر قانونًا ولا وجود له إطلاقًا ووجه هذا ظاهر لأن نية العاقدين هي منشأ العقود فإذا اتحدت إرادتهما على أن يكون العقد خياليًا ولا وجود له فهو كذلك بالنسبة لهما وبالنسبة للغير أيضًا - (يراجع بلانيول وربيير جزء (٦) ص (٤۵۹) بند (۳۳۳) وديموج كتاب الالتزامات جزء أول ص (۲٦۱) وحكم محكمة النقض الفرنسية الصادر في ۱۱ إبريل سنة ۱۹۱۱ والمنشور في دالوز سنة ۱۹۱۳ جزء أول ص (٤۲۳)).
أما الصورية النسبية التي تشمل فهي جزءًا من أجزاء العقد كالثمن أو سبب العقد أو وصفه القانوني إلى غير ذلك كأن يذكر في العقد ثمن أقل من الواقع أو أن يذكر فيه أن الثمن دفع وهو لم يدفع فعلاً أو أن يذكر أن السبب هو ثمن بضائع مع أنه قرض في الواقع وتختلف عن الصورية المطلقة في أن المتعاقدين لم يقصدا أن يكون العقد كله خياليًا بل جديًا.
والأثر القانوني للعقد الصوري نسبيًا أنه يعتبر عقدًا صحيحًا وله وجود قانوني وفي بعض الأحوال يعد باطلاً إذا كان سببه غير مشروع أو مغاير للنظام العام أو الآداب ويلاحظ أيضًا أن الصورية النسبة لذاتها ليست سببًا من أسباب بطلان العقود إذ أن الشارع أجازها ضمنًا بدليل ما ورد في المادة (٤ من القانون المدني في النص على صحة عقد الهبة الموصوف بصفة عقد آخر ولكن الذي يبطلها إنما سبب آخر غير الصورية يجوز أن يكون موجبًا للبطلان قانونًا:

 

٤ - العقد المسجل وهل يجوز الطعن فيه بالصورية : -

ورد النص في المادة الأولى من قانون التسجيل رقم (۱ سنة ۱۹۲۳ على أن جميع العقود الصادرة من الأحياء بعوض أو بغير عوض والتي من شأنها إنشاء حق ملكية أو حق عيني آخر يجب إشهارها بواسطة تسجيلها الخ.
ويؤخذ من هذا النص أن الأثر القانوني الذي يلحق بالتسجيل لا يتصل إلا بالعقد الذي من شأنه إنشاء حق الملكية – والعقد الصوري صورية مطلقة لا وجود له قانونًا ومعدوم الأثر إطلاقًا وبالتالي ليس من شأنه إنشاء حق الملكية أو أي حق آخر لا يجديه التسجيل فتيلاً لأن التسجيل ليس إلى وسيلة للإشهار ولا يزيل ما شاب العقد من وجوه البطلان.
لذلك لا مانع قانوني يمنع الغير من الطعن في العقد المسجل بالصورية المطلقة كما أنه يجوز الطعن فيه من الغير بالصورية النسبية إذا انصبت الصورية على سبب العقد وكان سببه الحقيقي غير مشروع أو مخالفًا للنظام العام كالطعن في عقد البيع بأن سببه الوصية والتحايل على أحكام الإرث مثلاً.
لهذا لا نقر محكمة الاستئناف فيما وضعته كقاعدة عامة في حكمها من أن المشتري الأول لا أحقية له في إبطال عقد المشتري الثاني الذي سجله بدعوى أنه صوري ووجه هذا ظاهر لأن العقد الذي تعتوره الصورية المطلقة إنما هو عقد معدوم الأثر فلا ينقل الملكية من البائع كما سبق البيان ويتفرع عليه أنه متى ثبت هذه الصورية يعتبر أن الملكية لا زالت باقية للبائع ويتراخى انتقالها إلى المشتري الأول إلى يوم تسجيل عقده فيكون إذن للمشتري الأول كل المصلحة والحق في الطعن بهذا النوع من الصورية في عقد المشتري الثاني رغم تسجيله.
وقد جاء في حكم محكمة النقض الصادر في ۹ ديسمبر سنة ۱۹۳۷ في قضية الطعن رقم (٦۱) سنة ۷ قضائية خير تعليل لهذا المبدأ وكان موضوع الدعوى الطعن في العقد المسجل بالصورية ما يأتي:
(وحيث إن الصورية التي تمسك بها الطاعن هي الصورية المطلقة التي يقصد بها إعدام العقد كليًا وإزالته من الوجود ليتمكن هو من تحقيق أثر الحكم الصادر له بصحة توقيع البائعين له على العقد الصادر إليه.
(وحيث إنه لا مانع قانونًا أن يكون لمثل الطاعن أن يتمسك بصورية عقد المشتري الثاني الصورية المطلقة لأنه سواء أكان باعتباره دائنًا للبائعين في الالتزامات التي ترتبت على العقود الصادرة له منهما من جهة القيام بجميع الإجراءات اللازمة لنقل الملكية أم باعتباره صاحب حق عيني موقوف انتقاله إليه إلى ما بعد التسجيل - له بأي هذين الاعتبارين أن يتمسك بالصورية ليزيل جميع العوائق التي تصادفه لتحقيق أثر عقده.

 

۵ - هل الصورية ضرب من ضروب التواطؤ بحيث لا يجوز الطعن بها في العقد المسجل .. ؟

قلنا إن الرأي قد استقر في تطبيق قانون التسجيل على أنه لا يجوز التمسك بالتواطؤ الذي يقترن العقد المسجل للإهدار من أثر التسجيل وتفضيل العقد العرفي أو الذي تسجل تسجيلاً متأخرًا.
والصورية بلا شك إخفاء للحقيقة وإلباس العقد ثوبًا غير ثوبه وقد تكون الصورية مقترنة بقصد الإضرار بالغير باتفاق العاقدين على ذلك كالصورية التدليسية ولكن التواطؤ عنصر عرضي يضاف إلى العقد.
وتحريم الطعن بالصورية كلية لأنها درجة من درجات التواطؤ خلط بين العناصر الجوهرية للعقد والعناصر العرضية التي تطرأ عليه.
ذلك لأن الصورية المطلقة والصورية النسبية التي تبطل العقد بطلانًا جوهريًا لعدم مشروعية سببه مثلاً تنصب على كيان العقد القانوني وعلى عناصره الجوهرية وتؤدي إلى إعدام العقد كليًا وإزالته من الوجود كما تقول محكمتنا العليا في حكمها الذي أشرنا إليه آنفًا.
أما التواطؤ الذي حرم التمسك به ضد العقد المسجل والذي قضى قانون التسجيل على التمسك به ضد العقد المسجل فالمقصود منه إنما العنصر العرضي للعقد وبعبارة أخرى أن يكون العقد صحيحًا وجديًا ومتوفر العناصر الجوهرية وإذا شابه التواطؤ بين البائع والمشتري الثاني فلا سبيل إلى الحط من أثره القانوني كناقل للملكية إذا تسجل طبقًا للقانون والدليل على هذا أن قانون التسجيل لا يحمي إلا العقود التي من شأنها نقل الملكية أو الحقوق العينية الأخرى كما ورد في المادة الأولى منه.
مما تقدم نقول ولو أن الصورية قد تكون ضربًا من ضروب التدليس والتواطؤ من الوجهة الأدبية إلا أنها في الاصطلاح القانوني نوع خاص لها آثار قانونية خاصة تختلف باختلاف أنواعها ويقول فابريجت في كتابه في القضاء ص (۲۷۳) هامش رقم (۱).

وخلاصة الرأي : -

أولاً: لا يجب قياس الصورية المعدمة للعقد إعدامًا كليًا على التواطؤ الذي يجوز أن يقترن بالعقد الجدي الذي له وجود قانوني ثانيًا: يجوز الاحتجاج بالصورية المطلقة ضد العقد رغم تسجيله وكذلك بالصورية النسبية إذا كان سبب العقد غير مشروع أو مخالفًا للنظام أو منافيًا للآداب ذلك لأن الصورية المطلقة تعدم العقد كلية بحيث لا يكون له أي وجود قانوني والتسجيل لا يكسب العقود المعدومة وجودًا ولأن الصورية النسبية التي أساسها السبب الغير المشروع أو المخالف للنظام أو المنافي للآداب تبطل العقد بطلانًا جوهريًا مطلقًا فتجعله في حكم المعدوم والتسجيل لا يزيل البطلان ولا الشوائب الجوهرية من العقود.

 

٦ - رأي محكمة النقض : -

أصدرت محكمة النقض حكمها بتاريخ ۲۰ أكتوبر سنة ۱۹۳۸ في قضية الطعن رقم (۲ سنة ۸ قضائية وقضت بما يخالف رأي محكمة الاستئناف وجاء في هذا الحكم الأسباب الآتية : -

(وحيث إنه يؤخذ من ذلك أن الطاعن كان يدفع بصورية عقد المشتري الثاني الصورية المطلقة التي يقصد بها إعدام العقد إعدامًا كليًا وإزالته من الوجود ليتسنى له الحكم بصحة التعاقد وبتسجيل ذلك الحكم حتى تنتقل له ملكية العين المبيعة له)
(وحيث إنه لا مانع قانونًا يمنع من أن يكون لمثل الطاعن أن يتمسك بصورية عقد المشتري الثاني بالصورية المطلقة إذ باعتباره دائنًا للبائع في الالتزامات التي تترتب على العقد الصادر له منه من جهة القيام بجميع الإجراءات اللازمة لنقل الملكية فإن له أن يتمسك بالصورية ليزيل جميع العوائق التي تصادفه لتحقيق أثر عقده (يراجع حكم محكمة النقض الرقيم ۹ ديسمبر سنة ۱۹۳۷) في الطعن رقم (٦۱) سنة ۷ قضائية).
(وحيث إن محكمة الاستئناف قد أخطأت في تطبيق قانون التسجيل للمفاضلة بين عقد الطاعن وعقد المدعى عليه الثاني في الطعن كما أخطأت في رفضها البحث في دعوى الصورية المطلقة ارتكانًا على ألا ملكية للطاعن لعدم تسجيل عقده ومن ثم يكون حكمها متعين النقض.)

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Howdy,
Search exact
Search sentence
Ad1
Ad2